الأربعاء، 20 يناير 2010

ساكن الكهف المعلق


معلقة كهف العجوز / زاوية العرقوب









في زمن فائت استبد ضنك مؤلم بأرض الجبل الأخضر .. وقال رجل من رجالات الجبل سوف اصعد كهفاً علوياً معلقاً في جبل بين أعشاش الطيور ليعصمنا أنا وزوجتي وابني من مضرات الزمن الجائر فصنع أعمدة خشبية من معدن شجر العرعار لصلابتها وصنع بكرة من معدن شجرة خروب وفتل حبلاً طويلاً من شعر الماعز لاستخدامه مصعداً ليقيم في كهف معلق وكان طوال الوقت منشغل بهذا العمل المتواصل ليهيئ مقر حصين يتحصن فيه من أضرار كثيرة وأمر زوجته أن تلملم حاجياتها وتعد العدة وهو يوصى بذلك زوجته واستقر رأية على أحدى الكهوف وانتشل زوجته ثم الطفل ألي جوف كهف معلق وكل ما يلزم الإقامة والبقاء في الكهف المعلق ومدة البقاء مرهون بتضاؤل الجوع والجدب ورحيل أخر طاغوت عثماني عن الأرض والصراعات والحروب القبلية الذي يغذيها هذا الطاغوت الهمجي الجاثم على أكباد المجتمع .. أما أن نكون احراراً أو نموت ووجودنا في هذا الكهف نكون كالحمام والنسور .
موقع الكهف مقابل الشروق للشمس ومطلع القمر وأضواءه الجليدية ووسط نعيق البوم وعواء الذئب ونعيب الغراب وضبيح الثعالب وشخير الهداهد وصراصير الليل انه خلاء غابة وبطون ووديان وشعاب وسهول واوعار واستراح في الكهف ليبدأ حياة الكهوف مناضلاً من اجل امرأته والصغير لتأمين أفضل عيش في مكمن كهف به أركان عدة ركن للطفل وركن لمشغولات الزوجة ومكان بقرب الشرفة لصرف الأقذار والخبائث ومكان للراحة .. إنها أمكنة في جوف كهف معلق .

قالت ألزوجه كيف أكون امرأة وأنا في كهف معلق في الهواء والطفل كيف ينموا ويتعلم الحبو والمشي في كهف معلق ؟
قال الزوج لزوجته أرفعك عن الأرض لأرفع أفكارك وتسمو أبصارك وتتخلي عن بعض ألأعباء لانوبها عنك والطفل ينشأ ليكون من جيل الكهوف المعلقة ويحبوا ويمشي ويصارع الحبل بالصعود والهبوط وفي الكهف نحظى برؤية أشياء أكثر جمالاً من رؤيتها على الأرض وان السلام في أعالي الكهف المعلق وليس سلام القبائل المتحاربة وأقوات يسلبها الطاغوت العثماني ويعبث بأمنها أما في الكهف المعلق نأكل ونشرب ونتعانق ونتداعب وصغيرنا يزدهر بسلام إني أسكنتكم في هذا المقر العلوي ولا نريد أن نهدر الوقت في سنوات العجاف وتخلى الناس عن الناس لينتشروا في البراري .

في صباحات الكهف المعلق تنفض ألزوجه الغبار والمفروشات ليتعقم الكهف بأشعة شروق الشمس والزوج يتأمل ويتفقد ملامس ومناعم ظهور يدي زوجته وبطونها لقد تلاشت النعومة من الكفوف والأنامل من احتكاك حبل الكهف وعصا الرحا ليهبط الزوج بعد هذه النشوة من كهفه منصرفاً يسعى في غالب اوقاتة مبكراً ينظر في اتجاهات ونواحي الوديان والبطون والأرض وخشاشها مروراً بفخاخه المنصوبة لطيور الحجل أو شيهم ويتسمع خبراً سيئاً أو أحسن الأخبار .
يعود الزوج بعد كدح وطول بحث صاعداً لكهفه بأخبار وقوت يومه تستقبله الزوجة بمد يدها له عند عتبة الكهف والغبطة على وجهها وبلغ الزوج ارض الكهف والطفل مربوط في ركنه وفك الأب ربطة قدم صغيرة وحظنة والزوجة تتساءل عن أي شيء جديد وهل يطول بهم المقام في هذا المكان العلوي يا ترى . والأب غارق في عناق ابنة يقبله .
وفي ليالي الكهوف يستتر الكهف تماماً والزوج وزوجته يستلقيا قرب عتبة الكهف المعلق والمنعزل للتفرد بنجم من أنجم السماء الصافية وأصداء الوادي مقترن بغطيط الطفل النائم . وصرخات الذئاب .



الأحد، 6 ديسمبر 2009

وصايا من لهب




الموت قاب قوسين أو أدنى يا أبنائي وعشيرتي ، اليوم هو يوم الأربعاء وإني في موعد مع الموت يوم السبت القادم في ساعات الفجر
نعم تذكروا جيدًا إني أموت بعد أيام قلائل وأمانة في أعناقكم وصيتي هذه فأوصيكم بخراب الصفوف المحترمة والمتماسكة ، كونوا أكَّالين لأموال اليتامى ، واجعلوا ألسنتكم طويلة لإيذاء الناس والجيران ، اقذفوا المحصنات ولا تملَّوا الخمرَ حتى الثمالة ، ومارسوا القمارَ وكونوا على شبع دائمًا فأنها تقرُّبكم من إبليس فيرضى عنكم أيَّما رضى ، وعليكم بكره الممتازين .. أبغضوهم وحاربوهم وشوِّهوا سمعتهم ، واقعدوا لهم في الطرقات ونسج الحكايات عنهم باستماع لرموز الفتنة المنافقين العلماء ، واشربوا وساوسهم ، وإيَّاكم وقراءة الكتب أو أن تمسكوا أقلامًا للكتابة ، إيَّاكم أن تتورَّعوا وتتراجعوا في فرص الخيانة والغمز واللمز وفوائد الرشوة والربا ، وعليكم بسوء الظن في كل شيء ، ولا تتأذوا من أكل لحوم أموات البشر إنها ألذ من لحوم الغزلان ، ولا تتحرَّوا الحلالَ ، وكونوا صيَّادين بارعين في الحرام ، ولا تقربوا الطيبين أبدًا فستقترب منكم السمعة النزيهة ، وتخنس شياطينكم ويغضب إبليسكم ، وإيَّاكم ومساعدة الملهوفين وذوي الحاجة ، ولازموا الخبيثين السيئين وطيِّبوا خواطرهم واضربوا بيد من حديد كلَّ عفيفٍ طاهرٍ ، واكذبوا عليه كثيرًا ، وزيِّفوا حقائق كلامه ، فإنها مرضاة إبليس ، ولا تنفروا من الكلام المالغ ، واثبتوا حبَّكم للحقراء والتيوس بالظرافة والحلم ، وبممازحتهم وكونوا لعاطين لهوثين لهاسين ، وارفعوا من صوت الطبل والبندير إذا رمقتم غنيًّا أو أغنياء ، وتغنَّوا بأفعالهم واستقبلوا إهاناتهم وضرب كفوفهم بالصبر وسعة الصدر ، واستوصوا بهم خيرًا ، وواصلوهم وتتبَّعوا موائدهم وكونوا متواضعين لينين ، واجعلوا ظهوركم مركبًا لأبنائهم الصغار، واحنوا لهم الرقاب وآمركم بتتبع المحترمين واشملوهم بأذاكم وبهتانكم وافتراءاتكم وبقول الزور ، ولا تلقوا عليهم التحيات ، وكونوا بخلاء إشحَّاء مطاعين ، واحذروا السخاء ، ولا تغضضوا أبصاركم صوب الميام السود ، وارفعوا أصواتكم لتخيفوا الضعفاء ، وإياكم أن تترَّقق قلوبكم وتتأثر بأصحاب المصائب والتعاطف معهم فيتذمَّر إبليس ، وإيَّاكم ثم إيَّاكم والإخلاص في صلواتكم ووضوئكم وزكواتكم ، واهتمُّوا اهتمامًا كبيرًا بالرياء فيتعاطف إبليس معكم ، وينظر الناس إليكم نظرة تقدير وإعجاب، وعليكم بالغش في الحكايات ، وتصدَّوا للمخلصين الطيِّبين وأن يتبيَّنوا فيكم الاستياء والملل فأصمُّوا آذانكم وأبصاركم عن الكلم الطيِّب والنصائح الرشيدة ، وكونوا طلقاء اللسان في أكذب الحكايات والقصص القذرة والتعابير المقززة فيشملكم الشيطان برعايته ، ولا تذهبوا إلى الخلاء والأماكن الجميلة فتتهذب أفكاركم وعقولكم ، وتتصافى قلوبكم وتتذرف عيونكم بالدموع وفي اتجاه النسوة ذوات الخواصر العريضة والصدور البارزة أطلقوا عنان البصر لتستمتعوا بهزيز الخصر والصدر واسترقوا أصواتهن لتتلذَّذوا بأنغامهن الناعمات ، وألا تستحوا من القوادة ، وكونوا مثاليِّين في فنون القوادة ، وقدِّموا كل غالٍ ورخيص ، وخير الوصية ألا تستاءوا من حرفة اللعط واللهس واللهث والخساسة ، ولا تتركوا خصلة الفتنة فإنها أفضل من قتل فرد واحد مثل الجندي الماهر يقتل برمية واحدة عشرات الجنود ، وعلِّموا أولادكم رمي الحجر على البيوت المجاورة لإزعاج أهلها ، سفِّهوا خيار الناس منكم ، وامتدحوا الأنذال والمنافقين على الملأ ، اظهروا البكاء والتباكي على الأموات ، ولا تروِّجوا الإشاعات بأصوات أقل من أصوات الحمير ، ولا يصيبكم الكلل في إقلاق المجتمع ، وادفعوا الشيوخ الكبار للتشبُّه بالشباب لتستخفَّ عقولهم ، ولا تصافحوا الأفاضلَ بوجوه مشرقة ، هذِّبوا عيالكم على الانبطاح أمام كبار القوم وأغنيائهم ، ابتسموا لهم واسعدوا وأكرموهم بالذبائح السمان ، وأطعموهم من أفضل وأكبر لحمانها..!
نشرت في موقع الاجدابي

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2009

مطلع المساء



خليط من الإحداث في يوم قاتم .
برابص تسوح في سقف المتجر وتتزين فضاءاته بأبنية العناكب . . مدافن بشواهد مزخرفة وجثامين مخبؤه . . امرأة تحرق البخور وتربعت وحيدة بساق ممدودة وأخذت بجزء المتدلي من شالها على الوجه الموشوم وأجهشت و انتحبت ببكاء وتأن ببدن يرتعش بشهيق مؤلم وأفاضت الدموع حتى شبعت .. طوق يضيق ببطء حول أنفاسي .
طائر البوم ينعب ويصرخ خوفا وإجلالا للخرائب . . صمت الأسوار القديمة مرتع مقدس . . لا يفترون من عبادة أصنام حديثة قائمة تحيط بنا من كل الجنبات ومن كل صوب .
تشبث كلب بجسمه المنحسر بدفء فراش معطر . . الموت منه قاب قوسين أو أدنى . ركلته بقدمي ففغر فمه الواسع بعواء صاخب مزعج .
امتثلت إمام جواد اربد زيتوني جميل العرف مسترسل والذيل مطلوق هيئته قوية وصهيله المزغرد وهمهمته المريبة بمنخارين واسعتين . . وابتعد يدور في سلسلته متذمرا من وجودي .
أصبت بخلل في أعماقي كأني احمل الدنيا على راسي في مكان الثور .

الاثنين، 2 نوفمبر 2009

خيمة ظريفة



ما أجمل خيمة الشعر ما اسعد الحوار والكلمة والعائلة المجتمعة والأفراح والاصطياف والاشتياء في الخيمة ما ألطف الليل وقمراه وأنت تبيت في الخيمة ما أمتع الربيع وأنت في الخيمة أيها الإنسان تتعافى وتزيد صحتك كلما ازددت البقاء في الخيمة .. إننا نتحسر كلما سمعنا الغريد لطائر البوم ونعيب الغراب وأصوات الحمام في البرية وشخب الحليب من الحلمة في القداح وثغوا الجداء لاستقبال أمهاتها وإيقاع الطقطقة لنصور حمار يسير ببرذعته حاملاً براميل الماء والحان القرقرة لزواحف البرابص ونداءات الذئب ووشوشة الحجيل لقمم السمراء المحسكة لزروع القمح من نسائم الشمال وللبيت طرائق وأحمال ممدودة تحمل السطح وأروقة عالقة بحواف السطح بأعواد الخلة وتغلق جوانبه شتاء وتفتح صيفاً والبيت يتراقص ويشطح مع الهواء برمام مرنة وجوازل منحنية تمنع الاحبال من الانزلاق وبيت الشتاء مانع للماء وبيت الصيف مانع للشمس والحر وإذا وقع سقف البيت الرطب وأوتاده الخشبية فلا يتأذى ساكنه .

· بعد إخراج الأمتعة وإخلاء كل ما في الخيمة بالتمام تستل الجوابر لطرح الخيمة ثم استلال أعمدة المقادم والخماميس والبدء في فك الرمام المربوطة في المواثق (الأوتاد) والشروع في طي الخيمة وترتيب كل العوالق من حبال وأعمدة ومواثق منزوعة
· ألا تطوى الخيمة وتلفف وهي مبتلة للتخزين فيصاب بالعطب والاهتراء وانبعاث رائحة كريهة
· أن يكون في مكان نظيف وبعيد عن ملاهي الأطفال وتفقده من إصابات القوارض
· استبدال أحدى الاسدية المتلوفة أو ترميم وترقيع مكان إصابة خرق أو تغيير حبال الرمة وحبال العمائر
· وقت البناء يجب أن يتم بطريقة سليمة وصحيحة فقد يبنى بشكل غير مريح فتتلف الخيمة وللمحافظة عليها نختار أمكنة ملائمة ولا يعترض البناء مجاري السيول والرياح المصفقة وبناءها السليم نطرح البيت ودق كل وتد بميول عكسي لجهة الخيمة وتربط فيه الرمام ثم تشد الرمام ليتمكن المساعد من نصب الجوابر مع جذب الرمام وربطها ربطاً محكماً لتستوي الخيمة مع الرمام الأساسية لاستواء البيت وهي رمام المقادم .
· لا ندري متى نسجت أول خيمة واعتدلت لإيواء الإنسان
· تطوى الخيمة خفيفة المحمل لبنائها في أي مكان مناسب بعيدة عن الأراضي الممطورة والاحتماء فيها من حروق الشمس وقوارس البرد
· اتخذت الخيمة اسم بيت الجلاس وهي المناظرة بين رجل وامرأة في صوب خليل وألغازه مع قليل من الشهود لحضور هذه المسرحية .
· بلغت عدد الخيام الآلاف في معتقلات التنكيل والتجويع والمعاناة أيام الاستعمار الايطالي .
· شهدت الخيمة في نصوصات الليالي أصوات نسوة مع حنين دوران الرحا وإلقاء الحفنات في نقرة القرص ليتحول إلي طحين تتجمع ذراته فوق الرقعة .
· تحاط الخيمة بزرائب حائلة وقناة لصرف المياه في مواسم الشاتية وفي الصيف ترفع الاخبية لمداعبة الهواء .
· قبل وجود ساعات الحوائط أو ساعات أخرى أو مذياع لمعرفة الزمن كان المقيم في البيت إن أراد تحديد وقت الفجر وتباشيره ينظر إلي نهاية طرف الشريط الأسود للحمال عند نافذة الكم للبيت فإذا اتضح سواده يعني تبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود وتحديد وقت المغرب تختفي المعالم لجسم ألكربه في رأس عمود الجابر وهذا الاهتمام الزائد في شهر رمضان مخافة الوقوع في الخطأ .
· للخيمة سطح هرمي مطنوب الارمام جميل ولا تشكل أي خطر أو تهديد إذا مالت ولامست الأرض .
· الشراشب أو القزاويل المتدلية من جوانب الشريط الطريقة وألوان الأروقة والسقف دلالة على الأحوال الموسرة وكل هذه الزخارف والأشكال مرهونة ببيوت الصيف مع مرئيات الخلاء وبدائع الطبيعة .
· لتنظيف البيت ترفع الأروقة أو السواتر ونشر المفروشات للتعقيم وذر الأرض بالرماد وألبخ بالماء والكنس بأغصان مقصوفة .
· البيت في اغلب الأحيان مستقبل القبلي جهة الإشراق والنور .

احلام بطيئة






أعيش داخل سياج بعيدا عن الهوالع وعلى وجبة عشاء تبن قليل تخمر لكثرة مدة التخزين . . وفي ليلة من ليالي الحصاد أفتتح باب السياج إهمالا فانسحبت إلي الزرع المجاور لالتهام بعض السنابل المتشبعة بماء الندى لاستعادة النشاط ويتنصع بياضي وتنمو شعرات ذيلي وتتغزر لاستخدمها منشة تذود عنى الحشرات القارصة . . وصلت إلى هناك وهناك أجد نفسي أعانق السنابل في كوامل السعادة استمتع بشميم وقطف سنبلات رطبة تبللت بصقيع الطل أتلذذ بجرش الشعير والأصوات غائبة والقمر ساطع متكامل يبدد أضواءه الجليدية فوق البساط المحسك يحدد امتداده بالطول والعرض . . أتخمني الشبع شممت الأرض ونثرت وارتميت اتمرغ أداعب الضياء في غمرة تحسدني عليها وجوه الحمير قاطبة وكل الوجوه . منسجم في العراء بين الزروع وأنغام الخلوات الهادئة .
سرى الوهن ببدني أخذني النوم العميق الهاني ورأيت في ما يراه النائم ألبس سرج حصان وذيلي جميل يتدلى وينش بكل خيلاء وسط حشود من الخيول على قوارع المضامير للتسابق . . انطلقت وجفلت أبذل أقصى سرعة فتعالت موجات الزغاريد ونلت إعجاب فرس ذات أذرع متناسقة جميلة وعيون قوية واسعة وليست لاسعة والعرف مسترسل والكفل عريض تتمتع برشاقة الغزلان . . رافقت الفرس بدأت أتودد إليها وفي حضور تام أتشمم الفرس ثم خطوت وانتصبت للنهيق على وسع وملء الفم وطول اللسان مقرون بشريط من أحبال الضراط . . فلم أفق إلا ولطشات السياط والركلات في المؤخرة وضربات العيدان المحرشفة والهراوات تتهاوى على قمة رأسي .. ملت بأذني إلى الخلف أستدرت أحاول النيل من أحدهم برفسه انتقامية مشهورة فرفست الهواء . فانهالت على الضربات من جديد ولذعات السياط الملتهبة عقابا لهذه المحاولة الفاشلة .
لا خيار لي إلا الوداعة وسمة الصبر العالقة بالحمير أجبرت على حملهم جميعا والعودة إلى المكان اللائق داخل السياج بجانب رأس كبش كبير أقرن معلق على عمود لحرق العيون العائنة عن أهل البيت . وقفت مكاني مطأطئ الرأس رخو الأذنين .عابس الوجه طحت واسترحت أسترق أنفاس من الأوجاع . هذا جزاء من يحمل الغلال الثقيلة والهموم والعذاب والعناء والنصب والنكال . . سوف أنهق بنهيق منقم لتفترسني الهوالع . . ويا ليت . ولن ؟أرضى بشعير في مخلاة والخاطر مكسور . . ولن ينجبر أبداً.

الخميس، 29 أكتوبر 2009

زرافة


صبي يحمل أغصان شجيرة الإكليل يتقدم مشاة كهول وفتيان يكللون رؤوسهم بالورق الأسمر وفتيات مطوقات الخصور بالأزاهير المذبولة المانعة للصواعق . . تعلو نداءات الرافه للسيدة زرافه صاحبة الرقبة الطويلة ترصد السحب ألحبله بالمياه الطاهرة على إيقاعات المزمار المزدوج المصنوع من جناح نسر
يا زرافة هات الرافه
يا زرافة هات الرافه
يا زرافة هات الرافه

خيط مطر نازل من السماء .. . معين المطر أغرق الأرض يغسل الربيع من صقيع الكلحه . . فاض الحليب والدهن . . كبرت العجول فصارت أبقاراً . .والجداء تيوساً . . والحملان كباشاً . . والافلاء خيولاً . . والجحوش حميراً . . .
الهدهد الجذاب يزهوا بألوانه السعيدة . . القوم يطبخون اللحم في السمن ويشربون اللبن الغليظ بمسحوق العرعر وينضجون الخبز في رب الخروب والديك ابتعد عن النجع مقوساً رقبته برفع الصوت في وجه الشمس بكل كبرياء ويتبختر بزعامة اسرة يجرجر أرياشه المزركشه
.

الجمعة، 2 أكتوبر 2009

الماء ( السقاء )











لا يمنعون رتع الكلاء في أي وقت إلا في أواخر الربيع ((اللوايا)) حتى تنشف المراتع من الندى الضار بفعل حرارة شمس الضحى ويمنعونها من الشرب إلي إن تصيف الأعشاب والأغنام أو الدواب الاكوله لأعلاف ناشفة فقط داخل حظيرة تشرب علي الدوام صيفا أو شتاء والغنم والبقر إلتي تعيش علي الكلا الطبيعي في موسم الربيع لا تشرب ولا تطلب الماء إما إذا سرى الجفاف في العشب الأخضر رويدآ أواخر الربيع فسوف تطلب الماء وهم (يلووا فيها ) أي يتعمدوا منع الماء عنها حتى تجف الأعشاب إلي أخر عشبة ثم ينقضوها أي يسقونها أوائل الشراب ويخلطون الماء بالملح والثوم إذا أمكن ويمنعون عنها السقاء يوم أو أيام معدودة والضأن والماعز والبقر ترتع منبوت العشب الجاف وتطلب الماء فإذا منع عنها الماء أجبرها العطش علي قطف ورق الشجر والشجيرات الخضراء الحامل للرطوبة فتملأ كروشها بخليط من عشب جاف و ورق أخضر فتروي ظماءها ومن لجوءها لورق الشجر الأخضر يخف الرتع الجائر للأعشاب .
وسقاء الضأن والماعز والبقر يوم ومنعه أيام فيه فوائد مهمة لصحة الشاه والبقر لأن الماء المستخلص من مرتو ع الورق وبراعم الغصون الخضراء البديلة عن السقاء طارده لبعض الديدان والإمراض الضارة وبدن الدابة تزداد لحما ويتنصع الشحم بياضآ ويتصلب العظم والمظهر يتململ كأنه ممسود بالدهن.
ومن فوائد منع الماء التجاء الدواب لأماكن الظل و البروده ساعة الظهيرة ومنح الراعي الوقت الكافئ للاستراحة والسكون وتناول الغداء ومن الفوائد الأخرى هدوء الدابة في المراعي وازدياد شهيتها للمرتوع والإقلال من التبول وتصبب المخاط من الانوف والفائدة الأفضل ايجابآ الاقتصاد في الماء فكان السقاءين يعصرون لحاء التيوس عند رفع رؤوسها من حوض الشرب واستقطارها في الحوض للمبالغة في اقتصاد الماء وبعد السقاء لا. نسوقها بعيدآ عن الحوض بل نتمهل وننتظر لكي تستريح ثم تشرب ذهابا وايابآ من حوض الماء والدلو ينسكب ماءه والحنجرة ترتجز صب لها صب وهي تشرب.
وفي اقتراب موسم الخريف يقل ويكثر العطش تباعآ لارتفاع وإقلال درجة الحرارة وتخف معاناة السقاءين للدواب ويستمر الإرتجاز أثناء الصب في الحوض.










اليوم خريف ….. شربك تنقيف














وتنقطع عن الشراب في أوائل المطر ((البدا ري ))لأنها وجدت ماء بديل في كلاء جديد ففي موسم الشتاء تضرب الغابة أي البريق والنظارة في الأوراق بعد الذبول وازدياد البراعم في النمو لتزداد شراهة الدواب في الالتهام ثم تتراجع وتميل لنتف سفسوف العشب الأخضر الذي لم يكتمل نماءه التابع لجودة العام فإذا كان جيدآ تصح الدواب والتوالد ويكثر الإدرار.
ولكثرة المواشي وانعدام الآلة السريعة لرفع الماء في الماضي يرسلونها ترسيل أي يفرقونها جماعات لتشرب كل مجموعة قليلة دون إن تتزاحم ومواعيد السقاء تباعآ لوفرة الماء أو قلته وحرارة الجو والمواعيد غواب / وربع / وخمس .
1- غواب :- يوم تشرب ويوم لا
2- ربع :- بقية اليوم التي شربت فيه الغنم تحسب من أيام الحرمان أي يوم الشرب ويومين بلا ماء تساوي ثلاثة أيام والرابع موعد الشرب
3- خمس :- يوم الشرب وثلاثة أيام بلا شراب تساوي أربعة أيام وتشرب في اليوم الخامس وهو موعد الظمى((السقاء)).
اللويان أو يلووا فيها : المنع أو يمنعوها عن الماء في أواخر الربيع حتى نهاية أخر عشبه خضراء وإذا جف العشب تنقض أي تشرب وكلمة اللويان أو يلووا فيها تحريف لكلمة أللياء أنظر قاموس المنجد في اللغة ومعناها الأرض البعيدة عن الماء
تنقض :- معناها عودة الشرب من جديد في موسم الصيف بعد انقطاع في موسم الشتاء والربيع
الظمى:- موعد الشرب
الغب :- منعها يوم أو أيام عن الشرب وسقاء ها في موعد الشرب.












من كتاب اغنام وابقار للكاتب / عبدالسلام بدرالدين

مشـتــقـات اللـبن


الزبد ه


بعد الرج والخض الطويل للشكوه ومن خلال ملاستها للشكوه وتتحسس كتل الازباد تترجرج تنصب شكوتها علي الأرض وبين ركبتيها تفتح فم الشكوه وتضرب بكفوفها جسم الشكوه لألتقاط قطع الزبد ه الطافية في فتحة الشكوه وجمعها في قدح بالقرب منها وتنفخها وتعاد الكره من جديد حتى استخلاص دهان الزبد ه تقريبآ بالكامل من سائل اللبن

قلعة :- قطعة زبد صغيرة اقتلعت من اللبن الممخوض .
زحاليق :- ذرات الزبد القليلة



السمن



غلي قوالب الزبدة في أناء وتجهيز دقيق مع ذرات مطحونة من أعشاب عطريه كنبات القميله مثلآ لاعطاء دهن السمن نكهة طيبه بعد طفو الرغوة البيضاء في قمة الإناء ليصطلي الصغار لنزع الرغوة بأصابعهم للرشف والامتصاص ثم بعد ذلك تبدأ في ذر المكونات المجهزة في الإناء المغلي لنضج هذا الدقيق ومهمته فصل كل العوالق بالامتصاص وفرز السمن الطايب والدقيق الناضج الذي مص هذه العوالق يسمى ( ذوبه) أنها دسمه المأكل ولذيذه والسمن الطايب المفروز يحقن في العكه بعد إن يسبقه شي من رب الخروب لتزداد نكهته وحلاوته والنسوة مغرمات بجمع دهن السمن ومنها المعني القائل ( النساء بدلن اللحى بالسمن).



الـــدوث(( انفحه))


ذبح جدي أو حمل أيامه الأولى بعد أرضاعة وارواءه حتى البدانة المفرطه واستخراج المعدة المليئة وتجفيفه حتى الصلابة وتؤخذ عينة قليلة منها وإلقاءها في سائل الحليب الطازج في جلد سماط ليتحول إلي جبن طري لذيذ .


ألبـا (( السرسوب))


حليب شاه أو بقرة عقب ولادتها إلي مدة أسبوع تقريبآ إذا احتلبت منه في أناء لتسخينه فيتغلظ ويصبح مأكول لذيذ شبيه بأكلة الدشيشه.



ذريحة




إحضار قدح لبن بائت لأن اللبن كلما زاد في البقاء زادت حموضته اللاذعة وهذا القدح المملوء باللبن الحامض اللاذع يحلبون فوقه حليب من الضرع مباشره لتزيد الفقاعات الفائضة من حواف القدح بفعل الشخب فيصير خاثرآ طيب الشراب .


الكشك (( لبن مجفف))


غلي اللبن بعد استخلاص الازباد منه ليطفو قالب اللبن الخالص والماء في أسفل الإناء لنغرف هذا القالب و وضعه في خرقه نظيفة وتعتصر بقايا الماء من مسامات الخرقه ونعرضه للشمس لتجفيفه فيتيبس ويصير حصى صغير مدشوش جاهز للأكل مع العسل أو القمح المقلي



المالح




حقن لبن مستخلص منه الزبد ه في شكوه ونلقمه الكثير من الملح ونطمر الشكوه لتدفئته إلي الصباح ليتغلظ اللبن وننضج دشيشه قمح في أناء كسكاس ليضاف مع اللبن المملوح وافتراشه للهواء والشمس لتجفيفه ليصير جاهزاً أي وقت بعد تسخينه ورشه بالماء.



من كتاب اغنام وابقار للكاتب / عبدالسلام بدرالدين

الضبع



لا توجد ضباع تفترس الحمير فقط وأنواع أخرى من الضباع تفترس الغنم وحيوان الضبع لا يستطيع ببنيته وهيئته الثقيلة مطاردة الحيوانات الوحشية كالأرانب والغزلان أو الطيور كالحجل مثلآ وفي الادهار الفائتة كانت البيئة والخلوات خاليه من أنواع القمامة والحيوانات النافقة فالحيوان النافق يعلق أو يرمي في مكان لا تطالها الحيوانات الأخرى مما الجأت الحيوانات المفترسة كالضبع إن تجوب مغارب ومشارق الأرض لافتراس أي دابة تستطيع اللحاق بها كالحمير أو العجول أما اليوم لا تتكلف العراك مع حيوان قوي كالحمار يتطلب بذل القوة والجهد حتى الإنهاك تقريبآ لافتراسه فبكل يسر تملأ بطونها من أنواع القمامة أو جيف حيوانات مرمية أو مصادفه جراء أو شاه سهله المنال من الزرائب الغير حصينة ومن بين الكلاب الحارسة الذي يبلغ بها الخوف مبلغاً كبيرآ وتفوح روائح تزكم الأنوف ويختلط النباح والعواء والإرباك والفوضى من هذا الحيوان المخيف المرقط القوي بفكه وبذنب يشبه غصن صغير لشجرة العرعار .



من كتاب اغنام وابقار للكاتب / عبدالسلام بدرالدين

الذئب المفترس



الذئب حيوان شرس حر يمتاز بالذكاء والحرص البالغ وله فكوك قوية حادة يتغطى بوبر اسمر مشوب بالصفرة أو اصفر مشوب بسمره والغابة تؤمن له التمويه والاختفاء والغابة الواسعة اذا خلت من هذا الحيوان تماما فهي غابة ينقصها الجمال كالعشب الأخضر والزهر ينقصه الشمس والدفء والذئب بلا محيط من الخلاء الفسيح والغابة الحرة الكثة فهو ناقص الوقار ولا حماية له وللذئب حنجرة صافيه لإطلاق عواءات إذا أدركته نوبة الغريزة وقد يختفي الصوت مده طويلة مما نحس بافتقاد شئ في رحاب الامتداد من ارض الخلاء والذئب الذي تربي في المنتزهات والحدائق السياحية فاقد للجاذبية وروعة الحياة البرية بينما الذئب الحر الطليق في البراري يقتات بنفسه جميل وظريف .والذئب العدو الأول للغنم وكلما سنحت للذئب فرصة في إلحاق الاذي بالغنم يتمادى ويغير حتى في وضح النهار وللذئب حضوره المباغت إذا سمع الراعي يتكلم كثيرا في طرف الغنم فيحدد الذئب مكانه وجهته ليتربص من جهة أخري للافتراس وسط البطون والوديان الو عره والمنحدرات فهي أماكن خطره وإذا فطنت به الكلاب فهروبه سريع منكسر وخبيث والذئب ينقض علي ضحيته بعضه من الرقبة للقتل وكتم الصوت منعآ لإحساس الراعي أو الكلاب وربما حتى الشياه القريبة من الضحية وإذا رأت بقية الشياه المحيطة بأفتراس الضحية جفلت وأربكت الغنم بالكامل وانضمت للجفول وقد تنقسم ((تستفرع))مفزوعة إلي جماعات وتصاب بالهلع والفوضى ومن غرائب المشاهد إذا تم إنقاذ شاه من فم ذئب تقف الشاه مفزوعه ومجنونه هاربه تلاحق الذئب المفترس وهو مشهد مسلم به والذئب لا يحاول الاقتراب من الفريسة القريبة من جدار أو كهف أو جسم غريب لشدة حذره وحرصه المفرط وإذا حصر في مكان ما يستميت في الدفاع عن نفسه ولا يستسلم .
((قال الأصمعي : دخلت البادية فإذا بعجوز بين يديها شاه مقتولة وجرو ذئب مقع أي خبيث فنظرت إليها فقالت أتدري ما هذا ؟ قلت لا .قالت :جرو ذئب أخذناه وأدخلناه بيتنا فلما كبر قتل شاتنا وقد قلت في ذلك شعرآ قلت لها ما هو ؟ فأنشدته :







بقرت شويهــتى وفـجعت قــلبــي


وأنــــت لـشــاتــنا فيـــنا ربيــب


غـــذيت بدرهــا وربــيت فــينــا


فــــمـــن نبــأك بأن أبــاك ذئـب


إذا كــانت الطباع طباع ســـــوء


فـــــــــلا أدب يفيد ولا أديـــب





ويقال في المأثورات الشعبية (( الذيب زين للدخلا والد خلا زين للذيب )) والذئب العادي الذئب المتمادي في الاغاره خلسة ولم تتناوله الكلاب لخداعه وشراسته وعجز الرعاة من القبض عليه إلا بعد مشقه ومده مديدة ونصب الفخاخ وخسائر في المواشي والذئب ينظر إلي الشياه في مراعيها منكبه بأفواهها ترتع فيقول قوتك قوتا لي.





من كتاب اغنام وابقار للكاتب / عبدالسلام بدرالدين